بر الوالدين : الشيخ محمد حسين يعقوب والشيخ أبي إسحاق الحويني

ليكن لك دور في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم

قل هو الله أحد / ياسر برهامي

غرور التدين / محمد بن إبراهيم العوضي

فصل الخطاب في حكم إسبال الثياب / أبو إسحاق الحويني - مقاطع نادرة ومؤثرة

قناة الرحمة الفضائية

موقع الشيخ عبدالمحسن بن محمد الأحمد

شبكة المسلم للقرآن الكريم

شبكة المسلم -www.el-moslem.com

30‏/03‏/2012

الغيبة : د. عمر عبدالكافي

إرسال إلى صديق

الغيبة

د. عمر عبدالكافي ، بتصرف من حلقات آفات اللسان

أخوتي وأحبتي في الله, نبدأ بمشيئة الرحمن في ذكر الآفة الأولى من آفات اللسان وهذه الآفة حقيقة الأمر نقع فيها جميعا إلا من رحم ربي. آفة " الغيبة". وحقيقة الغيبة أن ,يعني للأسف، كل المسلمين كبارآ وصغاراً، رجالاً ونساءً للأسف يقعون فيها.
تعريفها في البداية:
هي ذكر عيوب إنسان في غيبته وهي فيه، أو ذكرك أخاك بما يكره، قال أهل العلم: هي أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه،
يعني لو بلغ هذا الكلام إلى أخيك الذي ذكرته أنت، فهذا هو حد الغيبة (1)، وهذا الذكر بما يعيبه سواء تصف نقصه في بدنه أو في نسبه أو في خلقه أو في فعله أو دينه أو دنياه أو قوله، وقال أهل العلم: حتى في دابته وفي داره وفي ثوبه إلى هذا الحد!! حتى يمسك الإنسان لسانه. كل هذه الأمور يضيق المستمع بها ذرعاً، تقول مثلا في نسبه "هو رجل خسيس وهذا قليل الأصل، رجل لا عائلة له، رجل كنّاس في الشارع مثلاً أنت تعيبه في مهنته وفي مكانته وأنت تعلم أن هذا يدخل عليه بالنقص أو ينقص من قدره أمام الناس، أن تذكره مثلا في البدن فتقول رجل قصير،  امرأة أنفها كبير، عندما تجلس الأخوات بعضهن مع بعض ويذكرن بعض عيوب الأخوة والأخوات للأسف الشديد تقول هذا أقرع أو هذه لا شعر لها أو تقول الأخت عن أختها: هذه سوداء، هذه حمراء إلى كل هذه الصفات, ونحن نعلم أنها يكرهها صاحب هذه الصفة إذا سمعها، حتى وإن كانت فيه، فهذه الغيبة والعياذ بالله رب العالمين.
أما الأفعال التي تتعلق بالدين فأنت تقول: هذا إنسان كذاب، هذا إنسان متهاون في الصلاة، هذه إنسانة غير ملتزمة بالحجاب الشرعي، هذا إنسان لا يحسن الصلاة من ركوع أو سجود، هذا إنسان مرائي عندما يصوم، يذكر الناس بالسوء، هذا إنسان غير بار بوالديه،  كل هذا وللأسف الشديد من الغيبة ومن الصفات التي تسيء إلى الإنسان.أما من ناحية الخلق فتقول هذا رجل بخيل، هذه إنسانة متكبرة، هذا إنسان مرائي، هذا إنسان متهور، هذا إنسان جبان.
أما من ناحية الدنيا فتقول مثلاً هذا إنسان سيئ الأدب، هذا إنسان لا يحترم الناس، هذا إنسان يرى أنه أفضل من غيره، هذا إنسان كثير الكلام، كل هذه أنواع من الغيبة والعياذ بالله رب العالمين.ثم أحيانا تكون الغيبة ليست باللسان فقط!! ممكن أن تفهم أخيك تعريضاًُ أي تشير إلى صديق لك على أخ أو على من يمر بالطريق، تومئ إليه بهمز أو غمز أو بحركة معينة يفهم منها، وهذا يدخل في مسألة الغيبة.نفهم هذا من قول السيدة عائشة، رضى الله عنها، حين قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا، قال مسدد: تعني قصيرة،  فقال:" لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته" قالت: وحكيت له إنسانا، فقال:" ما أحب أني حكيت إنسانا وأن لي كذا وكذا" (2) قال المناوي، رحمه الله، في"فيض القدير" (5/411):" قال النووي: هذا الحديث من أعظم الزواجر عن الغيبة أو أعظمها وما أعلم شيئا من الأحاديث بلغ في ذمها هذا المبلغ ".
ومحاكاة الإنسان يعني: أن يقلد إنسان في مشيته أو إنسانة تقلد إنسانة في مشيتها، كل هذا من الغيبة.
المصيبة الكبرى أن المستمع كالمغتاب، يعني أنت عندما تستمع إلى كلام الله عز وجل بفضل الله تعالى تأخذ نفس ثواب التالي والقارئ لكتاب الله سبحانه وتعالى، وعندما تستمع إلى من يذكر الناس بالسوء، يعني للأسف الشديد، تأخذ نفس الوزر، فأنت إن استمعت إلى خير كان نصيبك خيراً، وإن استمتعت إلى شر كان نصيبك شرا والعياذ بالله رب العالمين.
أسباب الغيبة:
والسؤال الذي نطرحه ما هي أسباب الغيبة؟ ما الذي يجعل إنساناً يغتاب إنساناً آخر ويذكره بسوء؟
·    أحيانا يغتاظ إنسان من آخر، مثلا زوج آذى زوجته، فجلست هي مع أمها أو أختها أو صديقتها فأرادت أن تشفي غيظها بالحديث عن ذكر مساوئ زوجها، وطالما أن هذا الحوار ليس أمام قاضي أو عالم أو مستفتي يستفتى في هذا الأمر أو لأخذ مشورة فهذه غيبة. طالما أنها كما يقول البعض "للفضفضة" ولإخراج مكنونات النفس، فهي غيبة.
·    ومن أسوأ أنواع الغيبة أو من الأسباب العجيبة لها أن يجامل الإنسان المجالسين له، يجامل المغتابين، مثلا جماعة يغتابوا إنسان معين فهو يريد أن يجاملهم فيغتاب معهم.
·   من أسباب الغيبة أيضا، أن يظن الإنسان بمن يغتابه سوءاً، يعني إنسان يظن بالذي أمامه ظناً سيئاً فيغتابه بهذا الشكل.
·    بعض الناس يريدون رفع أنفسهم بأن ينقصوا الغير، يعني أريد أن أرفع نفسي أن أري أنني ذو شأن أو أنني ذو مكانة معينة فأنقص ممن أمامي أو أٌقلل من قدر من أمامي.
·   أيضا من أسباب الغيبة الحسد، أن يحسد إنسان إنساناً،  فإذا حسدت أنا إنساناً فعندئذٍ أغتابه، لأن في قلبي للأسف حسداً من ناحيته، فأنا غير مستريح له ولا أتمنى أن يكون هو أفضل مني فبالتالي أحسده أو استهزئ به.
مواطن إباحة الغيبة:
لكن السؤال المطروح: هل كل الغيبة حرام؟ أم أنها تحل في مواطن معينة؟ طبعاً من كرم الله علينا كمسلمين ما ترك لنا النبي صلى الله عليه وسلم والعلماء الذين شرحوا لنا كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، شاردة ولا واردة إلا ووضحوها. فاستثنى العلماء بعض المواطن، وتقريبا هي ستة في مسألة الغيبة:
·    المتظلم أمام القاضي، يقول هذا ظلمني، هذا أخذ مالي، هذا ضربني، هذا آذاني، هذا صنع كذا، هذا أخذ ميراث أبي...الخ، فيجوز أن يتظلم الإنسان بذكر الأخر بعيوبه التي صنعها وهي حقيقية أمام القاضي.
·    المستعين على تغير المنكر، يعني إنسان يريد أن يغير منكراً معينا، فيجب عليه أن يقول إن فلان يصنع كذا وكذا في الشارع، أو في الحي أو في المؤسسة أو في المصلحة فلا بد من تغيير هذا المنكر، وأريد أن أستعين بالغير على تغيير هذا المنكر، فهذا ليس من الغيبة.
·    في أمر الزواج، يعني أذهب إلى فلان فأقول يا فلان إن ابني يريد أن يخطب بنت فلان فما رأيك؟ وأنت رجل تعرفه معرفة جيدة، عندئذ يجب علي إن استشهدت أن أشهد بما يرضي الله تعالي، لكن لا أكذب على الناس وأقول والله هي بنت صالحة وأمها امرأة صالحة وأبوها كذلك، وهم لا يكونون كذلك، هذه مصيبة وهذا كذب وشهادة زور. كثير من الناس يحرج يقول: لا يا أخي أنا لا أقول في الناس شراً، لا يا أخ الإسلام، الإسلام أعطاك رخصة في أن تقول بما يرضي الله حتى لا يدلس على الزوج أو على المتقدم للزواج أو على المتقدم  إليها، لا يدلس عليها في أن نحجب عيب أو عيوب معينة أو نقائص في العريس المتقدم أو نقائص في العروس المتقدم إليها. انظر إلى رحمة الإسلام وعظمته أنه يعطيني هذه الفرصة كي أتكلم أو أشاور في أمر الزواج فآخذ الكلام فيما يرضي الله، ويجب أن يكون المتكلم صادقاً  فيقول أن أباها بخيل أو أن أمها متبرجة، أو أن العروس ليست مواظبة على الصلاة، أنها أسرة لا تحب مجالس العلم و لا نجدهم ذاكرين الخ...تقول بما يرضي الله سبحانه وتعالى، ولا تقول أن في هذا نقص أو هذا فيه غيبة.
·         تحذير المسلمين من شر يوشك أن يقعوا فيه.
·    التحذير من صاحب البدعة، إذا رأيت إنساناً يريد أن يتفقه في دين الله وهو يتردد على إنسان صاحب بدعة أو فاسق، عندئذ يجب أن تحذره وتوضح له المسألة (3).
·         من عرف بصفة معينة، ولا نقصد أن نشينه أو نعيب عليه بها من نحافة أو سمنة أو قصر أو طول، كالأعمى مثلاً.
علاج الغيبة:
السؤال الذي يطرحه الإنسان على نفسه كيف أعالج وأمنع اللسان عن هذه المصيبة الكبيرة؟
·    أن يعلم المؤمن أن بغيبته للناس يتعرض لمقت الله سبحانه وتعالى وسخطه، وأن هذه الغيبة تحبط الحسنات وتنقلها من ميزاني إلى ميزان من اغتبته، وأن العبد قد يدخل النار من أجل سيئة ترجح على حسنة. فالتعامل يوم القيامة بالحسنات والسيئات لا بالدرهم ولا بالدينار، فأين يذهب الإنسان من حقوق العباد يوم القيامة فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه فطرح في النار والعياذ بالله رب العالمين.
·    وقلنا أن الكارثة الكبرى لا تكمن في الغيبة باللسان فقط وإنما هناك الغيبة القلبية، فكما يحرم على الإنسان أن يحدث غيره بلسانه عن مساوئ الغير، فالإنسان أيضا لا يحدث نفسه بسوء الظن في أخيه، يقول الله عز وجل: "يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم" (الحجرات : 12) لأن أسرار القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب سبحانه وتعالى، فلا بد أن الإنسان يكبح جماح نفسه في ألا يذكر الناس بالشر في قلبه، والله سبحانه وتعالى يقول: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة" (الحجرات : 6). فالإنسان الذي ينقل لي هذا الشر عن أخي، يجب أن أطرد هذا الشعور وهذا التصديق حتى بقلبي، فهل يصدق الإنسان الشيطان؟! سواء كان هذا الشيطان شيطان إنس أو شيطان جن  كلاهما سواء، كلاهما إبليس، والعياذ بالله رب العالمين، لأنه لا يريد أن يجعل صفاءً بين المسلم وأخيه، لا يريد أن يجعل صفاءً بين المسلم وزوجته، لا يريد أن يجعل صفاءً بين  الجار وجاره.
·    مسألة سوء الظن هذه يجب على الإنسان أن يغلق بابها حتى لا يدخل بعد ذلك في مسألة الغيبة باللسان فتجتمع عليه مصيبتين، قال جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فهبت ريح منتنه، فقال: أتدرون ما هذه الريح؟ قلنا: لا يا رسول الله. قال: هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين" (4) وكان يقول صلى الله عليه وسلم: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من اتبع عوراتهم، يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته" (5).
فلماذا نتتبع عورات الناس؟ روي في الأثر إذا شككت فلا تحقق، إنسان يشك في إنسان معين لا يجب عليه أن يتحقق من هذه المسألة، وإنما عليه إذا اجتمع في إنسان خير وشر، عدل وظلم، يجب أن يغلب فيه جانب الخير، وإن رأينا من إنسان عدة محاور تدل على سوئه ومحور يدل على الخير، يجب أن نأخذه على محور الخير، وكلنا يحفظ عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مر على قبرين قال عن صاحبي هذين القبرين:" أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير  أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله" قال: فدعا بعسيب رطب فشقه باثنين، ثم غرس على هذا واحداً وعلى هذا واحداً ثم قال:" لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا"(6).
فالإنسان أكثر خطئه في لسانه، وهو من أربى الربا عند الله سبحانه وتعالى، فالربا عند الله ثلاثة وسبعون بابا، وليس نوعا واحداً، وأسوأ نوع من أنواع الربا، وأعظم جرم في أنواع الربا: الاستطالة في عرض مسلم بغير حق؛ كما في حديث  سعيد بن زيد، عاشر العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنه، عن النبي  صلى الله عليه وسلم، قال:" إن من أربى الربا  الاستطالة في عرض المسلم بغير حق"(7).
 نفهم هذا من قول السيدة عائشة، رضى الله عنها، حين قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا، قال مسدد: تعني قصيرة،  فقال:" لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته" قالت: وحكيت له إنساناً، فقال:" ما أحب أني حكيت إنساناً وأن لي كذا وكذا" (8).
ولعلنا نسمع هذه النصيحة العظيمة من الصادق المعصوم: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة، ومن ذب عن عرض أخيه بالغيبة كان حقا على الله أن يعتقه من النار" (9) لأن الإنسان الذي يستر مسلما، يستره الله في الدنيا والآخرة، عمر رضي الله عنه كان يقول: عليكم بذكر الله عز وجل فإنه شفاء وإياكم وذكر الناس فإنه داء، لأن الغيبة تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
يقال أن الشافعي اغتابه إنساناً، فأرسل الشافعي إليه طبقا من رطب فقال له: أنك أهديت لنا حسناتك فأردت أن أكافئك عليها، فاعذرني فإني لا أقدر أن أكافئك على التمام  (10) يعني لا أستطيع أن أعطيك على قدر ما أعطيتنا. ولذلك قال الله عز وجل: "ويل لكل همزة لمزة" والهمزة الذين يأكلون لحوم الناس أما اللمزة هم الذين يقعون في أعراضهم (11).
كان الصالحون يقولون أدركنا السلف وهم لا يرون العبادة في الصوم ولا في الصلاة ولكن في الكف عن أعراض الناس، يعني إذا كان إنسان ذو حيثية معينة فإنك تجله وتحترمه لأنه يعمل عند شخص مهم جداً في المؤسسة التي تعمل فيها أو في الدولة التي تعمل فيها، فما بالك وأن تجل خليفة الله في الأرض.
كفارة الغيبة: 
ولكن السؤال هل هناك من كفارة للغيبة؟ بالطبع نعم، أي ذنب من الذنوب يغفره الله عز وجل.
يجب أن أندم أولاً وأتوب وأتأسف على ما صنعت، وإذا كنت أستطيع أن أذهب لأخي المسلم فأستحله وأقول له يا أخي سامحني، أو يكون السماح في مجلس عام يقول يا إخوتاه سامحوني.
وكما أن الإنسان ذكر أخاه بالسوء مدة معينة كمغتاب له، يجب أن يذكره بالخير أمام الناس الذين ذكره بالسوء أمامهم، حتى يستوي الميزان، فيقول والله كانت عندي فكرة خاطئة عن فلان وقد تصححت الحمد لله الفكرة، فهو رجل صالح وهذه امرأة صالحة وكذا وكذا. إذاً الإنسان بعد أن يندم ويقلع ويعزم على عدم العودة و يستسمح أخاه المسلم يجب أن يذكره بالخير، عندئذ يكون فعلا من الناس الذين تابوا إلى الله وأنابوا.
وأنت أخ الإسلام إذا بلغك عن إنسان أنه قد اغتابك فخذ بالعفو، كما قال ربنا آمراً لك: "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين" (الأعراف:199). العفو هو أن تعفو عمن ظلمك وأن تصل من قطعك وأن تعطي من حرمك، الإنسان الذي يبحث عن الثواب يبحث عن الآخرة يبحث عن رضا الله سبحانه وتعالى يبحث عن كرم الله عز وجل عليه أن يحافظ على حسناته ولا يوزعها يمنةً ويسره ولا يغتاب الناس ولا يقع في أعراضهم ولا يعب بالذنب عليهم،ثبت أن أي إنسان يعيب بالذنب على أخيه فيعافي الله المبتلى بالذنب ثم يبتلي الذي يعيب، لأن الإنسان ليس معصوماً من الخطأ فكل بني آدم خطاء، ولكن الإنسان يجب أن يضع نفسه في معية الصالحين وفي معية الذاكرين يبتعد عن المجالس التي فيها غيبة، حتى وإن جلست في مكان ورأيت إنساناً يغتاب إنساناً آخر، فقل له يا فلان استغفر الله.
حتى أن بعض الناس يأتي في رمضان فيقول: يا فلان أنا في حالة صيام ولا يجب أن أغتاب، نعم الغيبة وأنت صائم مصيبة كبيرة، ولكن أيضاً هي مصيبة سواء كنت صائماً أو غير صائم، سواء في نهار رمضان أو في ليل رمضان أو في شوال أو في محرم أو في أي يوم من أيام السنة، فالغيبة حرام طوال العام، ورب العباد جعل علينا رقيب وعتيد يحصي علينا ويكتب ما نفعل: "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد" (ق: 18)، فما من حسنة أو ما من فعل أو قول إلا ويكتب عند الله سبحانه وتعالى، فانظر ماذا يكتب لنا عند الله؟!
فيا أخ الإسلام كيف تترك لسانك يخوض في أعراض الناس؟! كيف تترك لسانك يتكلم عن الناس بالسوء؟! حقيقة الأمر أن الغيبة ابتلي بها ويستهين بها كثير من الناس، قال تعالى: "ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه" (الحجرات:12).
 و النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه" (12) والحبيب صلى الله عليه وسلم يقول لنا كذلك: "لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تفاحشوا ولا تدابروا، ولا يغتب بعضكم بعضا وكونوا عباد الله إخوانا" (13). حقيقة الأمر يا أخوتاه أن على المسلم أن يتقي ربه، وأن يمسك لسانه عن أعراض الناس وإن كان قد ابتلي بهذا الأمر فيجب أن ينزع سريعاً ويتوب، حتى لا يضيع حسناته يوم القيامة وحتى لا يتعود لسانه الخوض في أعراض الناس.
اللهم أمسك ألسنتنا عن السوء وأطلق ألسنتنا بالذكر يا رب العالمين أنت نعم المولى ونعم المجيب.

http://www.abdelkafy.net/ar/index.php/2009-07-01-13-06-48/756-2009-12-07-19-53-08

اقرأ المزيد

علاج آفات اللسان

علاج آفات اللسان

 د. عمر عبد الكافي

بتصرف من حلقات آفات اللسن

أخوة الإسلام، سبق وذكرنا كثيراً من آفات اللسان، تحدثنا عن الغيبة، والنميمة، والمراء والجدال، وكفران النعم، والأذى، والكذب، والافتراء، وسب الصحابة، والتوجه بالدعاء لغير الله عز وجل.هذه الآفات التي ابتلي بها كثير من المسلمين، إلا من رحم ربي، كيف يعالجها الإنسان؟ إذا أردت أن أمسك لساني عن الشر، يجب أن أضع أمامي بعض النقاط الهامة وبعض المحظورات التي يجب أن يتقيها الإنسان ويضعها نصب عينيه.هذه الآفات إن لم تكن كبائر في كثير منها، فهي قريبة من الكبائر، والمواظبة عليها يصيرها كبيرة يستمرئها الإنسان و يتعود عليها.
كيف أعالج هذه الآفات؟
1.   أن أعظّم حرمات الله عز وجل
يجب أن أعرف أن تعظيم حرمات الله عز وجل هو دواء شاف لكل القلوب، أن أعرف حرمات الله، كيف أخوض في عرض الناس؟ كيف أسب مسلماً؟ كيف أسب الصحابة؟ كيف أمن بأعطيتي؟ كيف أتألى على الله؟ وأقول: هذا من أهل الجنة و هذا من أهل النار؟هذه النقطة يجب أن تكون في الحسبان، وهو أن أعظّم حرمات الله عز وجل.
2.   أنظر إلى ما ورد في كتاب الله عز وجل من مدح الذاكرين لله والذاكرات.والذي يصبح ويمسي ولسانه رطب بذكر الله، ويقرأ في كتاب الله سبحانه وتعالى ليل نهار، والذي يرضي الله عز وجل بالكلام الطيب، ويلقي السلام على المؤمنين، والذي يصلي ويستخدم لسانه في صناعة الخير. هذا كله من وسائل حفظ اللسان من هذه الآفات.
3.   أنظر إلى نهاية الدنيا بالنسبة لي.
فالدنيا سوف تنهي العمر، سوف ينتهي، سوف أدخل القبر وحيداً فريداً، يحاسبني الله على ما خضت فيه بلساني، فما الذي يجعلني أترك لساني يذكر الناس بالسوء؟ ويذكر الناس ويخوض في أعراضهم، إذاّ سأتقي الله رب العالمين.
4.   ليكن عندي قصر الأمل.
مصيبة الجميع، إلا من رحم ربي، عبارة عن طول الأمل كلنا يقول: يا فلان ألا تقتنع أنك سوف تموت؟ يقول: نعم، وهل أعددت نفسك؟ يقول: إن شاء الله رب العالمين، يقول: وإذا مت الليلة؟ يقول: يا رجل، لا داعي لهذه السيرة، لا داعي لهذا الكلام، لا داعي لهذه الكلمات. قصر الأمل وتذكر الموت هذه وسيلة ناجعة لعلاج آفات اللسان، يقول تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران:185).  و قال ابن عمر، رضي الله عنهما: أخذ بمنكبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا  أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك" (1).
5.   يضع المسلم آيات كتاب الله عز وجل نصب عينيه.
الله عز وجل يقول:( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (العنكبوت: من الآية45) فعندما يصلي الإنسان كثيراً، سوف يتوقف عن الفحشاء؛ لأن الصلاة من الناهيات التي تنهانا عن الفحشاء والمنكر وأن نبغي.
6.   قيام الليل.
لو واظب المسلم على قيام الليل، ويجد نفسه في لحظة السحر، ورب العباد سبحانه وتعالى يتنزل في الثلث الأخير من الليل كل ليلة، ويقول سبحانه: "من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له" حتى يطلع الفجر (2).هذا الوقت العظيم الذي يغتنمه المسلم للدعاء إلى الله عز وجل أن يقيه آفات اللسان وعثرات اللسان، وهذا العضو الذي إن لم يمسكه الإنسان كان كالحيوان المفترس يهجم عليه. قيام الليل والدعاء في السحر يجعل الإنسان يؤوب إلى رب العباد سبحانه وتعالى، ويمسك لسانه عن الشر.
7.   أن يتعود الإنسان الصمت.
يقول: والله أنا من الساعة كذا إلى الساعة كذا لن أتكلم وإنما أجلس أتفكر، أتفكر في ذنوبي، أتفكر كيف أطرق أبواب الخير، ما الذي سوف أصنعه من باب الخير، ما الذي سوف أقوله لله يوم القيامة، إذا قال لي ماذا قدمت للإسلام؟ كيف حملت هم الإسلام؟"رحم الله عبداً قال خيراً فغنم أو سكت عن سوء فسلم ومن صمت نجا" ( 3). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" (4). وقال صلى الله عليه وسلم: "أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وأبكي على خطيئتك "( 5).كل هذه النصوص، لو وضعها الإنسان أمام عينيه ربما تكون هذه وسائل كلها لإمساك اللسان عن الشر وإطلاقه بالخير.
8.   أن يصاحب الإنسان أخيار الناس.
يصاحب أهل العلم، أهل التقوى، أهل الاستقامة، أهل الفضيلة الذين لا نسمع منهم الكلمات البذيئة؛ لأن هذه الكلمات البذيئة لا تسمعها إلا من إنسان غفل قلبه عن ذكر الله واتبع هواه، كما قال الله تعالى: (مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ) (الكهف: من الآية28).لكن الإنسان المؤمن المستقيم، التقي النقي، والمؤمنة التقية، لن تقول أو لن يقول إلا خيراً لأنه تعود أن الكلمات السيئة سوف تورده موارد التهلكة.والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لنا: "مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك أو أن تبتاع منه وإما أن تشم منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثوبك أو أن تشم منه ريحاً خبيثة" (6). هكذا الجليس الصالح نبحث عنه، و الإنسان المسلم والرجل على دين صديقه وخليله، قل لي من صديقك، أقول لك من أنت. فالمسألة عبارة عن إعانة الإنسان بالصالحين من العباد، الذي إن رآك غافلاً ذكرك، وإن رآك ذاكراً أعانك، وإن رأيته ذكرتك بالله رؤيته، ودلك على الله حاله، وزاد في علمك منطقه. "الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" (7)، الصديق رقعة في الثوب أو "الأخ رقعة في الثوب فلينظر أحدكم بما يرقع ثوبه"، "المسلم مع المسلم (أو الأخوان في الله) كاليدين تغسل إحداهما الأخرى" (8).
9.   الشيطان العدو الوحيد.
تعرف أن الشيطان هو الذي يشجعك على القول البذيء، والشيطان لنا عدو، وهو العدو الوحيد الذي يجب أن نتخذه عدواً هكذا أمرنا الله عز وجل: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (فاطر:6).فإذا جاءك الشيطان لكي تتحدث فيما يضر، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، قال تعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الأعراف:200).
10.  أن يشتغل الإنسان بعيوب نفسه. لو أشتغل الإنسان بعيوب نفسه لشغلته عن عيوب الناس. كيف أشغل نفسي بعيوب نفسي؟أولاً: يجب أن أعرف عيوب نفسي من أمور: أن أعرض نفسي على رجل مربي، عالم بالكتاب والسنة، عالم بكيفية تهذيب القلوب وتربيتها، أعرض نفسي عليه، ثم أعرض نفسي على كتاب الله عز وجل، فما وجدت ما حث الله عليه أصنعه، وما وجدت ما نهى رب العباد سبحانه وتعالى أن أنتهي عنه، ثم يكون لي أخ صالح، فالمؤمن مرآة أخيه، عندما يراني على منكر سوف يقوّمني. كما قال أبو بكر: أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم (9). ثانياً: يعرف الإنسان عيوبه من ألسنة أعدائه، فأعداؤك قد يقولون فيك صفات كثيرة أنت إن راجعت نفسك فربما تجدهم صادقين في صفة، أو في صفتين، أو في ثلاث، ثم انظر في عيوب الناس، فما تستقبحه منهم لا تصنعه أنت، ما تراه سيئاً فيهم لا تصنعه أنت.فلا تنهى عن خلق وتأتي مثله      عار عليك إذا فعلت عظيم
11.  الإكثار من الطاعات.الإنسان لكي ينتهي عن آفات اللسان يكثر من صيام الاثنين والخميس، صيام يوم أو يوم، ركعتين في جوف الليل، كثرة قراءة القرآن، تنقية القلب، أن تحسن إلى من أساء إليك، أن تحذر اللسان كل يوم، وتقول: يا لساني، اتق الله فيّ. فالإنسان عندما يصلي يجب أن يقف ليصلي صلاة مودع فيتوب إلى الله عز وجل وينهي لسانه عن الشر، وإذا غضبت فما عليك قبل أن تفلت أو يفلت لسانك بكلمات سيئة، ما عليك إلا أن تدخل تغير وضعك الأول فإن كنت جالساً فقف، وإن كنت واقفاً أجلس، وإن كنت نائماً أقعد ثم توضأ فإن الغضب من الشيطان والشيطان من النار ولا تطفئ النار إلا بالماء ثم أريد من أي غاضب يريد أن ينطق ويتفوه بكلمة لينظر إلى المرآة سوف يرى شخصاً غير الذي يعرفه، يقول من هذا الشخص الذي في  المرآة؟ إنه أنت أيها الغاضب الذي يجب أن تتمسك بالسكينة والعودة إلى لحظة الرضى وتدعو الله "اللهم أجرني من حر غضبي". فإذا حفظت لسانك أخي المسلم فزت برضوان الله سبحانه وتعالى، وأحبك النبي صلى الله عليه وسلم وأحبك الناس، وضمن لك الجنة بإذن الله. والنبي صلى الله عليه وسلم يبشرك بأنك من أقرب الناس إليه "الموطؤون أكنافاً الذين يألفون" (10)، "وإن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل يا جبريل إني أحب فلاناً فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض" (11).
الخاتمة
أحبتي في الله، أخوتي وأخواتي هكذا عشنا هذه الرحلة عن آفات اللسان، وهي عبارة عن عناوين سريعة لهذه المعضلات الكبيرة. والله لو أمسك كلُُ منا لسانه لصلحت مجتمعاتنا وصفت نفوسنا.نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل ألسنتنا لهاجة بذكره ذاكرةً له سبحانه وتعالى آناء الليل وأطراف النهار.
اللهم رّطب ألسنتنا بذكرك، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك،
وجنبنا سوء الأخلاق لا يجنبنا سوءها إلا أنت، وحسن خلقها، لا يرزق المسلم الأخلاق الحسنة إلا أنت يا رب العالمين،
واجعل ألسنتنا و حصائد ألسنتنا في ميزان حسناتنا ولا تجعلها في ميزان سيئاتنا
أنت ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم يا رب تسليماً كثيراً. 
 http://www.abdelkafy.net/ar/index.php/2009-07-01-13-06-48/820-2010-03-21-18-36-07

اقرأ المزيد

ذهب الظمأ : فأين الصوم؟ أين الصائمون؟

 محمد حسين يعقوب  // موقع الربانية
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ

إن الحمدَ لله، أحمدُه تعالى وأستعينه وأستغفره، وأعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله.  
اللهم صلّ على محمد وعلى آلِ محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيم إنك حميدٌ مجيد. اللهم بارك على محمدٍ وعلى آلِ محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيم إنك حميدٌ مجيد.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} آل عمران- آية:102.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} النساء- آية:1.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} الأحزاب-آيتان: 70_71.

أما بعد..
فإن أصدقَ الحديث كلامُ الله تعالى، وإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ  في النار.
ثم أما بعد..
فإخوتي في الله،،،
أنا أحبكم في الله.
و (أسأل الله جل جلاله أن يبسط علينا في ساعتنا هذه من بركاته وفضله ورحمته)..
 (اللهم إنا نسألك في ساعتنا هذه علماً نافعا، ورزقاً طيبا، وعملاً صالحا متقبلا، اللهم إنا نسألك أن تفتح لنا في يومنا هذا برحمتك فتحاً من عندك، وأنت خير الفاتحين، وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين).

أيها الإخوة،،،
ذهب الظمأ.. ذهب الظمأ..
ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله.
يا لها من كلمة!!
ذهب الظمأ؛ كأن الصوم به عذاب الظمأ.. كأن الصوم في آخره لذة الرجاء..
ذهب الظمأ؛ إنها تساوي: "تعبك راحة"..
إنها تساوي: "لم أر منك إلا خيراً"..
إنها تساوي: "وماذا يعني الظمأ في سبيلك إن كنت أحب إليّ من الماء البارد على صدري؟"
ذهب الظمأ؛ كلمة الصائمين عند فِطرهم..
ذهب الظمأ؛ كأنها تشبه كلمة آخر من يدخل الجنة، كأنها كلمة الذي تطأ رجله الجنة بعد عذاب الدنيا كله، فيقول: "والله، والله، ما رأيت شقاءً قط، ولا رأيت بؤساً قط".
ذهب.. مضى.. نسيته.. لا أجد شيئا من ذلك.. ذهب الظمأ.

أيها المؤمنون ،،،
أهلّ علينا رجب، وبسرعة البرق مضى وانقضى.. -ورجب شهر حرام: دقائقه حرام.. ساعاته حرام.. أيامه حرام.. هو في مقدمة الأشهر الفاضلة، وهو مفتاح الستة أشهر الباقية من العام- وحلّ شعبان، ورمضان على الأبواب..

فأين الصوم؟ أين الصائمون؟

إنك حين تسأل؛ تسمع العجب في أمر تنصّل الناس من صوم هذه الأيام الفاضلة..
ستسمع مثلا: "أنا إذا صمت؛ أنام ولا أستيقظ"..
"أنا إذا صُمت؛ لا أُحسِن شيئا في اليوم كله"..
"أنا لا أقدر على العطش"..
"ظروفي..  ظروف العمل لا تسمح"..
"ظروفي الصحية تحول بيني وبين ذلك"..
 وو..
 وكأن الصوم ليس إلا للـــ"فُرّاغ"! وكأن الصوم ليس إلا لمن لا ظروف له!!
من منا لا ظروف له؟ ومن منا لا يمرض؟ ومن منا عمله غير شاق؟ ومن منا لا يظمأ؟ ومن منا لا يجوع؟ ومن منا لا يحب هذه المطعومات المشروبات لا سيما في الصيف؟ من؟؟
 ومن أعجب ما تسمع أن مِن أفتن المفتونين مَن ينسب فطره إلى طاعة الله، يقول: "أستعين بالطعام على العبادة"!
 وهل علم سلفنا من العباد -أيها العابد- إلا الصوم؟
إن الصوم مفتاح هذه العبادات، الجوع والعطش مفتاح القلب، عباداتك كلها من القلب، ولو أنك فعلتها مع الصوم لوجدت الإخبات الذي حُرمت منه مع الصوم، فالإخبات في العبادات صفة الذي يتعبد وهو صائم.
 وتأمل قول من يقول: "أنا لا أصوم، بل أفُطر لله، وذلك لكي أركز في القرآن"!!
وهل طُُلب منك أن تواصل الصوم طوال حياتك؟
أنا أكلمك عن رجب وشعبان ورمضان، أنا أكلمك عن الاثنين والخميس، أنا أكلمك عن أيام البيض، أنا اُكلمك عن صوم يوم وفطر يوم.. فــ: لمن ستترك كل هذا؟

يا عبد الله،،،
إنك بفطرك هذا:
صائمٌ عن الجنة..
صائمٌ عن الآخرة..
صائمٌ عن الحسنات..
صائمٌ عن باب الريان..
صائمٌ عن الفردوس..
صائمٌ عن مناجاة الله: "..يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي" متفق عليه.
صائمٌ عن الاحتساب..
صائمٌ عن التضحية..
صائمٌ عن الذل مع الله..
صائم عن التزكية..
صمت عن الصيام، فذهب الإخبات.. ذهبت التضحية.. ذهبت التزكية.. ذهب الإخلاص.. ذهب السر.. وذهب الاحتساب..

يا عبد الله،،،
لا تزال ظمآن يا مسكين، لا تزال غير مرويّ يا محروم..
أيها المحروم من الصوم؛ إن هي إلا ساعات، ويعود إليك الظمأ، مثل الذي صام!!
أيها المحروم من الصوم؛ إن هي إلا ساعات، ويشرب الصائم بجوارك، ويذهب ظمؤه مثلك!!
من وجد الله؛ فماذا فقد؟ ومن فقد الله؛ فماذا وجد؟

يا عبد الله،،،
إنني لا أريدك أن تصنف مقالتنا هذه تحت عنوان "الصوم"، وإنما خذ منها ما سيأتيك عن التضحية والإخلاص والتزكية والاحتساب، ولا تضعها في خانة الصوم، لأن منا من يسرد الصوم سردا، ولا يتركه أبدا، لكن مع هذا لا تزال فيه من الأنانية، ولم يتعلم من مدرسة الصوم..
منا من لا تزال فيه قلة الاحتساب والرغبة في الدنيا، ولم يتعلم من مدرسة الصوم..
منا من  لا تزال نفسه لم تذكر، ولم يتربّ في مدرسة الصوم..
منا من لا يزال سره حقيرا، مع ما يسرد من الصوم..
إذن فلنجعل مقالتنا اليوم لا عن الصوم، وإنما: "ذهب الظمأ".
 ذهب الظمأ؛ أسوقها للأعزب الذي تراوده نفسه إذا خلا، كي يجعل منهجه قوله: "غداً أقول؛ ذهب الظمأ".. إذا لقيت الله، فزف إليك الحور فقل: "ذهب الظمأ".
ذهب الظمأ؛ أسوقها للذي استدان، وقلّ ماله، وعُرض عليه الحرام أو المشبوه كي يُمنّي نفسه بذلك اليوم، ويقول: "غداً أقول؛ ذهب الظمأ". ذهب الظمأ؛ أسوقها لكل محروم كي يُمنّي نفسه بالآخرة، ويقول: "غداً أقول؛ ذهب الظمأ".
(اللهم اجعلنا من هؤلاء الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا)
أيها الظمآن من زهرة الدنيا.. استبشر بيومٍ تقول فيه: "ذهب الظمأ".
 يا لهذا الصوم! ويا لعِظمِ ما فيه من الأجر! إنه حقا وصدقا مدرسة.
يقول ابن عمر رضي الله عنهما: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أفطر يقول: "ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله" صحيح الجامع_4678.
 ذهب الظمأ. أين الظمأ؟ ذهب. أين ذهب؟ انتهى مع أول شربة بل قبل أن يشرب يقول: "ذهب، أنا لا أجد ظمأ يا رب".
يا له من أدب عالٍ! فقبل أن يضع على فيه الماء، كأنه يقول لله: "تعبك راحة، ذهب الظمأ"، كأنه يقول لله: "ما رأيت في سبيلك مشقة قط، ذهب الظمأ".
ذهب الظمأ، وابتلت العروق.. العروق الظمآنة التي في جوفي ابتلت، وذهب الظمأ..
ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله.. تأمل أنها سنة أن تقول: ثبت الأجر.
تصور -والقبولُ غيب- أن الله شرع لك وأنت تفطر أن تقول ما يفيد أنك مأجور، مقبول: ثَبتَ الأجر..
سُنة أن تقول: ثبت الأجر..
سُنة أن تعتقد أن الله لن يضيع ظمأك، ولن يضيع مخمصتك وجوعك.
ذهب الظمأ؛ ذهب.. انتهى.. انقضى.. لا أجد منه شيئا.. ذهب..

وماذا حينها ؟

1
التزكية

هنا مدرسة التزكية، هنا فرع التزكية من مدرسة الصوم، هنا تربية النفس على أنها لا شيء، هذه وقفة مع أشد الشهوات وأهمها وأعظمها ضرورة في الحياة. قال تعالى: }وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} الأنبياء_آية:30.
ومع هذا، تقول لنفسك: صه، ذهب الظمأ، لا يوجد ظمأ، ذهب..عجيب! أنا أريدك أن تجربها وأنت صائم في هذا الحر، وعملك قد أدر منك العرق.. أريدك أن تحمل الماء إلى فمك، وتستشعر هذا المعنى، أي قبل أن تشرب تقول: "لست عطشانا، ليس هناك عطش، هذا من أجلك يا رب، هانت نفسي من أجلك يا رب، انتهى ذلك الغم، راودتني نفسي على الفطر فرددتها، وقلت لها: ذهب الظمأ".
أريدك أن تجرب أن تقول لنفسك هذا.. أن تقول لها منذ الصباح: "أنا سأصوم لأقول لله قبل فطري: "ذهب الظمأ وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله".
قف مع نفسك هذه الوقفة: نفسك أشد ما تحتاجه هو الماء، وقد قدرت عليه. فكيف بالسجائر؟ فكيف بالمال الحرام؟ فكيف بالنساء؟..
رد عنك كل هذه الخواطر.. أنت لا تحتاج لشيء في الدنيا أكثر من الماء، واصبر، وقل: "ذهب الظمأ".
إن النفوس خلقت من أمشاج وأخلاط رديئة.
قال عز وجل: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ} الإنسان-آية2.
النطفة وصفها أنها أمشاج.. أخلاط من الأخلاق الحسنة والسيئة على السواء.. أخلاط من طباع الخير والسوء على السواء.
لماذا يا رب أمشاج؟
يقول الله تعالى: {نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} الإنسان-آية2.
فأنت خلِقت على هيئة أمرك الله أن تتطهر منها، أنت خلقت من أمشاج، وأُمرت أن تكون صادقاً صافياً خالصاً. قال الله تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} الزمر-الآية:3.
خلّص هذه النفس من الأمشاج، ولا يكون ذلك إلا بتربيةٍ وتخلية، والتخليةُ من أهم ما يعينك عليها الصوم، فبه تتخلى عن الرغبة في اللذة, وتتخلى عن الرغبة ولو في المباح. تصور؟
الماء حلال ليس حراما، ولكن تُمنع منه في صومك لكي تتربى على الصبر على الحلال، فيكون الحرام عليك يسيرا، وهذه هي التزكية.
إن التزكية هي عملية تخليصٍ للنفس من شوائبها وأمشاجها، وذلك بالصوم يتحقق بإذن الله.
فالذي لا يصوم ضاعت منه التزكية, ولم يذهب عنه الظمأ.
إن هذه العبادات التي وفقك الله لها من تلاوة, وقيام, وصيام، وصدقات, وصلة, وسعي لطلب الحلال.. كلها من غير الصوم لها طعم, ومع الصوم لها طعم آخر.
بينك وبين النشاط شربة ماء.. بينك وبين ترك الخمول والانطلاق وذهاب العرق شربة ماء.. ولكنك تتركها، وينهدّ جسمك، وينهار صلبك.. لله.
وسيصلك هذا المعنى بوضوح أكثر في العنصر الثاني.

2
التضحية
أيها الإخوة،،،
 لا شك أننا نعيش زمان الأنانية، والذي يُريد أن يكسب وحده.. الذي يريد أن يربح وحده.. الذي يريد أن يزوره الناس ولا يزورهم.. الذي يريد أن يتصل به الناس ولا يتصل بهم.. الذي يريد أن يحترمه الناس ولا يحترمهم.. الذي يريد أن يأخذ ولا يُعطي.. فاته هذا المعنى الكبير من معاني الإسلام؛ معنى التضحية والإيثار والبذل والعطاء، فكان من أسرار تركِه للصوم أنه لم يُربَّ على التضحية، ولم يتلذذ بالترك، ولذة الترك عند العابدين ولذة العطاء عند المتقين أكبر وأحلى وأشهى وأنقى من لذة الآخذين.. الطمّاعين.
إن هؤلاء الذين تركوا الصوم متهمون بترك التضحية.
وهنا تجدر الإشارة للذي لا يطيق أن يصوم لأجل صحته -كأن يكون عنده دواء لا بد أن يتناوله كل ساعة، أو لأسباب صحية معينة قد يحتاج أن يشرب كل ساعة- أن أمارة صدقه في طلب الصوم أن يعزم منذ اليوم على إطعام أهل الصوم..
من فاته الصوم فلا ينبغي أن يفوته أن يطعم القوم الصائمين؛ تأمر أولادك بالصوم، وتنوي بإطعامهم أنك تطعم الصائمين، فإن لك فيها الأجر إن شاء الله: "من فطر صائما كان له مثل أجره" صحيح الجامع_6415.

يا عبد الله،،،
إن هذه التضحية هي التي تجعلك تصوم ولا تفطر، وحين تمر أمام عربة الفول في الصباح -وأنت الذي اعتدت أن تأخذ إفطارك كل يوم إلى العمل- تستشعر معناها.
يقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (*) مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (*)} التوبة_آيتان: 119-120.

تأمل هذه الثلاثة (النصَب والمخمصة والظمأ) وأنت تمر بالطعام والشراب، واستشعر: {كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ}.
{مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ..}: ما كان لك أن ترغب لنفسك في طعامها.. في سقيها.. في ريها.. أن ترغب في قوتها، ونشاطها، وفي تمكينها.
{ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ..}: اعرق, انصب، اظمأ، جُع في سبيل الله. فإن الشيطان كافر، ولا يريدك أن تصوم.
{وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}: يا لخسارة التضحية إن كانت لغير الله!
{مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ الأعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ، وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ}: انظر ماذا خسّرتهم الأنانية. عن من تخلفوا؟ عن صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، يا لبطش الأنانية! يا لخسارة التضحية من أجل النفس، من أجل المال، من أجل الأولاد، من أجل الزوج!..
من الناس من يضحي من أجل سيارته!.. من يضحي من أجل مكانته!.. من يضحي من أجل شكله وهيئته!.. من يضحي من أجل صحبته!.. من يضحي من أجل غير الله, وكل هذا سيصير ترابا.
آه من حب غير الله، ويا لهول ما ينتظر العاشق الذي على هاتفه الـ ".."، الذي يرن في الليل لـ ".."، الذي يرسل الرسائل إلى ".."، الذي لا ينام حتى يفكر في ".."، الذي يستيقظ فتخطر بباله ".."، الذي إذا ابتُلي ذكر "..".
هذا العاشق المُبتلى، يذيقه الله عذاب الدنيا والآخرة، جزاءَ ما ضحى لغير الله، والقصص كثيرة، والمآسي غفيرة لا آخر لها.
(أسأل الله أن يعافيني وإياكم من ذاك العشق).
التضحية لغير الله هباء. قال الله جل جلاله: {وَمِنَ النَّاسٍ مَن يَتَّخِذ من دُونِ اللهِ أندَادَاً يُحبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله } البقرة-آية:165.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعس عبد الدينار، والدرهم، والقطيفة، والخميصة.." الجامع الصحيح_6435.
في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} البقرة-الآيتان:165-166،
تأمل أنهم يتبرؤون منهم، ويرون العذاب في الدنيا والآخرة، وكم تبرأت معشوقة من عاشقها بعد أن ضحى من أجلها! وكم تبرأ معشوق من عاشقته بعد إذ ضحت من أجله! وكل ذلك هباء.
وإن كان ذلك حراما أصليا، فإن الحلال كذلك، ومنه التضحية لأجل الولد، ولأجل الزوج، ولأجل الناس، ولأجل النفس.. فكلها إن لم يكن من ورائها الرغبة في وجه الله، صارت هباء وحسرة في الدنيا والآخرة.
ولعل قصة الرجل الصيدلي -رحمه الله- الذي أحرقه ولده ليست بمجهولة, فهو أفنى عمره في سبيل ولديه، واشترى لكل واحد منهما صيدلية، حتى الذي لم يكن ناجحا في دراسته، ولم يدرك المجموع، صرف عليه في العام ثلاثة وثلاثين ألفا من الجنيهات ليدخل كلية خاصة، وينال الصيدلة, وإذ بأهل المدينة يوما يستيقظون على رائحة "الشياط" وأصوات المطافئ.
 ما الخبر؟
أُحرق الرجل.
لماذا أُحرق؟ وكيف أُحرق؟
يا عجباً؛ ما بال كل البيت لم يُحرق، فقد انبعث منه دخان دون أم يحترق.
لقد أحرق الولد والده على فراشه بالكيمياء، من غير أن يُحرق الفراش!
من أين تعلم هذه الكيمياء؟
من مال الوالد.

إلى أين أيتها التضحية؟
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} التغابن-آية: 14.
إخوتاه،،،
لا تقشعرنّ أبدانكم من هذا المثال البشع، فإن في الآخرة ما هو أبشع، سيحرق أبناء آباءهم في النار، لأنهم تركوهم في الدنيا يرتعون في المعاصي والأوزار.
فـــ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} التحريم-آية:6.
يا لخسارة التضحية إن لم تكن لله، والصوم يعلّم التجرد لله.

أيها الإخوة،،،
إن هذه التزكية، وهذه التضحية، فرعان من مدرسة: " ذهب الظمأ"، ويرتبط بهما أصل ثالث نشرحه الآن بحول الله.
(أسأل الله جل جلاله، أن يهديني وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يثبتنا على مرضاته. إنه ولي ذلك والقادر عليه).

3
الســــر مع الله

أيها الصائمون،،،
 أيها الممتثلون لمبدإ "ذهب الظمأ".. ذهب الظمأ، وابتلت العروق وثَبت الأجر إن شاء الله، هذه المدرسة هي مدرسة تزكية ومدرسة تضحية، ثم إنها مدرسة السر مع الله.
إننا نحتاج بشكل مُلح إلى التركيزعلى مسألة صلاح السر بين العبد وربه.
فيا عبد الله؛ احترس.. عين الله لا تتركك، وأنت عنها لا تغيب، فانتبه!
الله يراك وإن خلوت، وإن سُتِرت، وإن وضعت كلمة السر، وإن أخفيت، وإن داريت، وإن استخفيت.. الله يراك..عين الله تتبعك.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: "لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء، فيجعلها الله هباء منثورا". قال ثوبان: "يا رسول الله صفهم لنا، جلّهم لنا، أن لا نكون منهم و نحن لا نعلم". قال: "أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها". السلسلة الصحيحة_505.
قال تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ} النساء-آية 108.
الله يرى خواطرك، وهو الباطن فليس دونه شيء، الله يرى ملفاتك السرية، الله يرى ما أخفيت, الله يرى أحقادك وأحسادك، الله يرى أضغانك، الله يرى ما أخفيته، الله يرى سرك كما يرى علانيتك، الله يراك في الظُلمة كما يراك في النور، الله يراك في الخلوة كما يراك في العلانية، الله يرى ما أخفيت وما أسررت. ومدرسة "ذهب الظمأ" تعينك على صلاح السر.

أساتذة في مدرسة "ذهب الظمأ"

داوود بن أبي هند –رحمه الله- أستاذ في مدرسة "ذهب الظمأ"؛ كان إذا خرج من بيته إلى السوق يأخذ معه طعامه، فيتصدق به في الطريق، فإذا وصل إلى عمله، ظن أهل العمل أنه أكل في البيت، وإذا عاد إلى بيته ظن أهل بيته أنه أكل في السوق، يا الله!
ونقول للذي ترك الصوم إن أمارة الصدق أن يُضحي المرء بالطعام ويُطعِم، وهذا ما فعله داوود بن أبي هند الذي حاز الأجرين –نحسَبه-، وحرص على الخلقين، ذلك أن مدرسة "ذهب الظمأ" تُعلّم التضحية والإنصاف، وتعلم صلاح السر مع الله.
سفيان الثوري -رحمه الله تعالى- أستاذ في مدرسة السر كذلك، كان يقول: "كل عمل صدر للناس لا أعدّه شيئا؛ لأن قلبي ضعيف أن يُخلص والناس ينظرون"، وكان يقول: "لا أرى للرجل شيئاً خير له من أن يدخل في جحر" فالسر أحب إليه من العلانية.
ومن الأساتذة كذلك إبراهيم بن أدهم الذي قالوا عنه: "كان إبراهيم بن أدهم كإبراهيم الخليل، والله لو كان صحابياً، لكان من الأفاضل، كانت له سرائر، والله ما رأيناه يظهر تسبيحاً".
ومنهم أبو يزيد الذي قال عنه بن مسعود: "والله لو رآك رسول الله لأحبك، وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين".
ومنهم الربيع بن خثيم الذي كان إذا ظهر للناس نشر شيئا على مصحفه لكي لا يُرى.
فالزم السر.. السر مع الله أيها المستخفي بخواطر السرور، حتى تتمكن منك وتُوقعك.

أعرفت الآن ما سر خيبتك في الخلوة؟
إنك لم تتربّ في مدرسة "ذهب الظمأ".
 ولعلك تسأل: ما علاقة الصوم بالسر؟ العلاقة في قول الله جل جلاله: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به" متفق عليه.
فكل عمل ابن آدم يظهر للناس، لكن الصوم بينك وبين ربك، وهنا ننتقل إلى النقطة الرابعة والأخيرة:

4
الاحتساب

إن الصوم يُدرّس مع السر الاحتساب. وله علاقة كبيرة جدا بهما معا.
قال العلماء إن الصوم أمر لا يراه الناس، وهذا صحيح طبعا، إذ هل رأيت صائما في حياتك؟
إنك رأيت رجلا يقول لك: "أنا صائم"، إنك رأيت رجلا تظن فيه أنه صائم -وهذا الظن في المسلمين مثلا في رمضان- ولكن؛ أين الصوم نفسه؟ أين الصوم؟ إنه لا يُرى، لا يُرى لأنه عملية ترك، ولا يرى الصوم إلا الله.
نعود إلى الحديث القدسي: "..إلا الصوم؛ فإنه لي، وأنا أجزي به" متفق عليه. ولاحظ معي ما أعجب هذه النسبة.. نسبة الصوم إلى الملك سبحانه!
في رواية صحيحة أخرى، يقول سبحانه وتعالى: "..إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي"المسند الصحيح_1511.
وفي رواية ثالثة: "لكل عمل كفارة، والصوم لي وأنا أجزي به" الجامع الصحيح_7538.
 أتدري ما معنى هذه؟
يقول الله عز وجل: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ} هود-آية_114.
ورسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال يوما لأصحابه: "أتدرون ما المفلس؟" قالوا: "المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع". فقال: "إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار"  المسند الصحيح_2581.
إن الحسنات تذهب بالسيئات، والسيئات تذهب بالحسنات، إلا الصوم؛ فلن يأخذه منك أحد على القنطرة، غذ كل عمل ابن آدم له كفارة -يكفر السيئات- إلا الصوم "فإنه لي وأنا أجزي به".
وفي رواية أخرى للحديث يقول عز وجلّ: "ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها" الجامع الصحيح_1894.

ما أجر الصوم؟
 الصوم أجره بإذن الله:
- أن يباعد الله بينك وبين النار مسيرة سبعين خريفا.
- أن يضع الله بينك وبين النار خندقا مسيرة سبعين سنة.
- أن يباعد الله بينك وبين النار كما يباعد بين السماء والأرض.
- من ختم له بصوم يوم دخل الجنة.
- في الجنة باب يدعى الريان، ينادى منه يوم القيامة: "أين الصائمون؟" -ويا له من نداء يوم الظمإ- فيقومون ويلبون، ويدخلون من باب الريان، ثم إذا دخلوا أغلق دونهم، فلم يفتح لأحدهم بعدهم.
ومع عظم الجزاء المذكور، فالصوم أكبر من كل هذا لأنه لله، والله يجزي به.
أجر الصوم سر بين العبد وربه، فاحتسب هذه..
احتسب ظمأ يوم القيامة..
احتسب مضاعفة الأجر بقدر لا يعلمه إلا الله..
احتسب أن يباعد الله وجهك عن النار مسيرة سبعين خريفا..
احتسب أن تموت على صوم فتدخل الجنة: "من ختم له بصوم يوم دخل الجنة" صحيح الجامع_6224.
احتسب كل هذا، وتربّ في مدرسة "ذهب الظمأ".. ذهب واللهِ ذهب، وكيف لا يذهب وهو لله جل جلاله وهو أهل التضحية، وهو مولى التزكية، وهو أهل السر بالعبادة، وهو سبحانه أهل احتساب العمل لأجله.

إليك وإلا لا تشد الراحلة، وفيك وإلا فالغرام مضيّع، وعنك وإلا فالمُحدّث كاذب.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 


                   محمد حسين يعقوب  // موقع الربانية : http://www.yaqob.com/web2/index.php/maqalat/maqal/357

اقرأ المزيد

إستقامة قلب

إستقامة قلب

Downloadللتحميل

مش عارف اتغيّر

مش عارف اتغيّر

Downloadللتحميل

ليه لأ

ليه لأ

Downloadللتحميل

خد بالك

خد بالك

Downloadللتحميل